الجمعة، 19 ديسمبر، 2014

البحوث الحيوية (4) التكرار والضابط

قبل الاستمرار في الحديث عن كيفية إجراء التجارب يجب أن نقف قليلا عند هذين المفهومين الأساسيين في التجارب: التكرار والضابط.

التكرار:

      لا يمكن أن نتأكد من أن النتيجة التي وصلنا إليها يمكن الاعتماد عليها والقول إنها تنطبق على الجميع إذا أجريناها مرة واحدة فقط، مثال ذلك لو أردنا معرفة أثر إضافة الشعير إلى علف الخراف على وزنها، فإنه يجب أن نقدم الشعير إلى مجموعة من الخراف وليس إلى خروف واحد فقط، لإجراء هذه التجربة نضع للخروف الشعير مع علفه المعتاد ثم نقيس وزنه بعد مرور شهر ونلاحظ الزيادة في الوزن، لكن لنفرض مثلا أن الخروف كان مريضا؟ أو أنه يفضل العلف المعتاد على الشعير أو ان الخروف كسول لا يتحرك كثيرا فيزيد وزنه ويكثر شحمه، هل يمكن بإجراء هذه التجربة على خروف واحد القول إن الشعير يزيد وزن الخروف إذا أضيف إلى العلف ؟ فلنفكر في مثال آخر: ماذا لو أردنا معرفة هل يفضل طلاب المدارس القهوة أو الشاي في الصباح، فهل يكفي أن نسأل طالبا واحدا ثم نطلق النتيجة على الجميع.
     التركيبة الحيوية معقدة جدا، فهناك اختلافات كثيرة بين الأخ وأخيه، والصديق وصديقه من عدة نواح منها الوظيفية كذلك، فلو أردنا حساب سرعة العدو عند طلاب جامعة ما فإنا سنجد اختلافا كثيرا بينهم ، يتأثر بالوزن ، والعمر، واللياقة. فهل يمكن أن نحسب سرعة طالب واحد عند العدو ونعمم النتيجة على الجميع، كذلك تختلف السرعة لنفس الشخص بين يوم وآخر، فقد يكون اليوم نشيطا مفعما بالقوة، ويكون غدا خاملا متعبا، فنجد النتيجة تختلف في الحالتين.
      لا يمكن حصر الأمثلة على هذه الفكرة، فالأمثلة كثيرة جدا، ولتقليل هذا الأثر على نتيجة التجربة وجب تكرارها لعدة أشخاص وأحيانا لنفس الشخص عدة مرات، وفي الخلايا بإجرائها على عدد من العينات، أو تكرارها لنفس العينة أكثر من مرة. فكلما كان العدد أكبر كانت النتيجة أوثق.

الضابط:

      لنضرب مثالا على الضابط: ماذا لو أردنا معرفة أثر إضافة الشعير إلى علف الخراف على وزنها، وأجرينا التجربة على عشر خراف لمدة سنة، قسنا في بداية التجربة وزنها ثم قسناه في نهايتها، فوجدنا أن أوزان الخراف زادت زيادة جيدة، فهل يمكن القول إن سبب زيادة وزنها هو إضافة الشعير؟ سيقول قائل: كذلك خرافي التي لم أضف الشعير إلى علفها زاد وزنها، وسيقول آخر هذه الزيادة طبيعية لأن الخراف تنمو وتكبر بمرور الوقت ويزداد وزنها كذلك. هنا تبرز مشكلة عويصة تحتاج إلى حل. 
      نحتاج هنا إلى ضابط، نحتاج إلى مجموعة خراف أخرى من نفس النوع وتقاربها في العمر وتعيش في ظروف مشابهة مع اختلاف واحد هو إضافة الشعير إلى العلف. بحيث نربي نفس العدد من الخراف دون إضافة الشعير إلى علفها، وتجرى التجربة في نفس الوقت على التوازي، وتكون أوزان الخراف متقاربة عند بداية التجربة ثم نقيس أوزانها في النهاية ، فإذا كانت أوزان مجموعة الشعير أعلى فإن هذا يعني أن الشعير ساعد على زيادة وزن الخراف، أما إن كان الوزن متقاربا فإنه يمكن القول إن الشعير لا يضيف شيئا على العلف المستعمل. ولكن يجب أن تكون الظروف الأخرى متساوية أو متقاربة، بحيث تعيش الخراف في حظائر متجاورة متشابهة، في نفس الوقت من السنة، فالمواسم تؤثر على الوزن كذلك، وأن تضاف إليها نفس الكميات من العلف، وتكون الخراف من نفس الجنس، فلا يجوز مقارنة الذكور بالإناث، أو مقارنة خراف أسترالية بخراف شامية مثلا. 
      كذلك في الخلايا نحتاج لأن تكون لدينا مجموعتان من الخلايا، مجموعة نسلط عليها المؤثر الذي نود دراسته، ومجموعة أخرى تعيش في نفس الظروف تماما مع اختلاف واحد هو عدم تسليط المؤثر الذي ندرسه عليها، هذه هي الفكرة الأساسية وستتضح التفاصيل في مدونات لاحقة.

الطيب محسن

الخميس، 11 ديسمبر، 2014

البحوث الحيوية (3) زراعة الخلايا للمرة الأولى.

الخلايا الأولية:
      تؤخذ الخلايا من حيوان حي، لنأخذ الفأر كمثال، يتم تخدير الفأر وأخذ الخلايا من جسمه، نأخذ عضلة الساق مثلا للحصول على خلايا عضلية، ثم نقتل الفأر. تفتت الخلايا باستعمال أدوات خاصة لتحريرها من النسيج، وينتج عن ذلك موت بعضها، ولكن بعضها الآخر يظل حيا، فنزرعها في إناء المزرعة فتلتصق الحية بالجدار وتبقى الميتة سابحة في المستنبت، فيسهل التخلص منها بعد يوم أو يومين.  
     كل نوع من الخلايا يحتاج إلى محفزات للنمو تضاف إلى المستنبت، هذه المحفزات تساعد في جعل المزرعة متجانسة فتحفز الخلايا العضلية على النمو ولا تساعد أنواع الخلايا الأخرى، وفي كل الأحوال لا تصل نسبة التجانس إلى درجة الكمال فتظل بعض الخلايا الأخرى في المزرعة، لذلك نعد هذه الخلايا ليمكننا إثبات أن هذه النتيجة التي نسعى إليها كان وراءها الخلايا العضلية دون غيرها.
    نضع المزرعة في الحاضنة في ظروف بيئية مناسبة من الحرارة والأكسجين وثاني أكسيد الكربون، ونكشف عليها المزرعة من حين إلى آخر حسب الطريقة المتبعة. بعد أن نلاحظ نموا جيدا للخلايا في المزرعة والتصاقها بقاع الآنية نلاحظ كذلك بعض الخلايا السابحة التي تكون ميتة، نتخلص منها بشفط المستنبت بما فيه من خلايا سابحة، ونتخلص منه ، ثم نقوم بغسل المزرعة بإضافة المستنبت إليها وشفطه، ويمكن تكرار ذلك عدة مرات بحسب الطريقة المتبعة. ثم إذا كان نمو الخلايا وتكاثرها ليس كبيرا فإنه يمكن إضافة المستنبت إلى المزرعة وإرجاعها إلى الحاضنة، أما إذا كان نمو الخلايا وتكاثرها كبيرا فإنا نحتاج إلى تغيير آنية المزرعة ، وربما نحتاج إلى زرع هذه الخلايا في أكثر من آنية وبالتالي نحصل على خلايا أكثر للقيام بتجربتنا.
      لفصل الخلايا الملتصقة بسطح الآنية نغسل المزرعة بالماء المقطر المعقم ثم نضيف إليها التريبسين (إنزيم هاضم) يعمل على فصل الخلايا عن السطح ، ثم نتركها لفترة قصيرة حتى تنفصل كل الخلايا أو أغلبها ، ويجب أن لا تطول هذه المدة لأن التريبسين قد يهضم الخلايا أيضا إذا طالت مدة التعرض عن المطلوب، لإيقاف عمل التريبسين نضيف إليه المستنبت الذي يحتوى على المصل المستخلص من الدم والذي يوقف عمل التريبسين ، ثم نفصل الخلايا عن السائل الذي تعوم فيه بطريقة الطرد المركزي .
     الطرد المركزي يجعل الخلايا (الأثقل) تترسب، بينما يظل المستنبت القديم الذي يحتوي على التريبسين في الأعلى، فنتخلص منه، ثم نضيف إلى الخلايا مستنبتا جديدا، ونخلطها جيدا فنحصل على خليط متجانس من المستنبت والخلايا السابحة فيه، نزرعه في أكثر من آنية، وهكذا نكون حصلنا على عدد أكبر من الخلايا، نستمر في هذه العملية حتى نحصل على عدد كاف من الخلايا والمزارع لإجراء التجربة.
     في حالة الخلايا السرطانية فإن الخلايا يمكن شراؤها أو الحصول عليها من باحث آخر نتعاون معه، تأتي هذه الخلايا مجمدة في درجة حرارة منخفضة جدا قد تقل عن -80 درجة مئوية وتكون محفوظة في سائل خاص لا يتجمد عند هذه الدرجة المنخفضة لألا تتحطم الخلايا ، حيث إن الماء عندما يتجمد يكون بلورات تمزق مكونات الخلية وتقتلها، تذاب هذه الخلايا في سائل دافئ بسرعة، ثم تغسل ويزال عنها السائل الذي ذكرناه آنفا بعملية الطرد المركزي، ثم تزرع كما أسلفنا في حالة الخلايا الأولية. الفرق أن الخلايا السرطانية تكون سريعة النمو، والتعامل معها سهل، وتكون عادة متجانسة، فبالتالي استعمالها في البحوث الطبية أيسر وأكثر انتشارا.
      بعد تجهيز عدد كاف من الخلايا والمزارع لتجربتنا يجب أن نتأكد من توفير ظروف متشابهة لكل الخلايا والمزارع ، ونتأكد من أن عدد الخلايا في كل المزارع متساو أو قريب من التساوي لنعزز مصداقية النتيجة المرتقبة. 

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014

البحوث الحيوية (2): مزارع الخلايا

مثال تطبيقي :

هذه التدوينة تحاول أن توضح بمثال تطبيقي طريقة إجراء تجربة لمعرفة أثر الحرارة على استهلاك السكر في الخلايا العضلية.

لماذا المزرعة أفضل من الحيوان الحي:

       في هذه التجربة سنستعمل مزارع الخلايا لأننا نحتاج إلى إلغاء آثار الخلايا الأخرى في الجسم كالخلايا الدهنية ، والعصبية والعظام، فلو مثلا أجرينا هذه التجربة على حيوان حي كالفأر مثلا فإنه يصعب علينا معرفة أي أجزاء الفأر استهلكت السكر ، وحيث إن هدفنا هو معرفة أثر الحرارة في استهلاك (الخلايا العضلية) للسكر . فالأفضل هو استعمال المزرعة.

مكونات المزرعة الخلوية:

      الخلايا : هناك نوعان من المزرعة الخلوية بحسب نوع الخلايا ، فلو أخذت الخلايا من نسيج حي ثم زرعت وحوفظ عليها في المعمل فإنها تسمى خلايا أولية ، ويكون عمرها في العادة قصيرا ، وقدرتها على الإنقسام والاستمرار محدودة ، إما إذا كانت الخلايا المستعملة هي في الأصل خلايا سرطانية (وهذا هو الأيسر والأغلب) فإنها يمكنها الحياة والاستمرار في المزرعة لمدة طويلة جدا ، ويكون انقسامها سريعا وقدرتها على مقاومة المؤثرات السلبية والاستمرار في المزرعة أقوى. 
      المستنبت: هو المادة التي تستعمل لتعيش فيها الخلايا ، وهو غني جدا بالمواد الغذائية ومحفزات النمو ، يضاف إليه مصل الدم (serum) لمساعدة الخلايا على النمو ، تضاف إليه أحيانا مضادات حيوية لمنع البكتيريا من تلويث المزرعة ، أو بعض البروتينات الخاصة التي تحفز نوعا معينة من الخلايا دون الآخر للمساعدة على تكوين مزرعة متجانسة . ومعنى ان المزرعة متجانسة هو أن يكون غالب الخلايا من نوع واحد ، ليمكن إطلاق نتيجة التجربة على الخلايا المعنية.
فمثلا: لو كانت نصف الخلايا التي نبتت في المزرعة عضلية ، ونصفها الآخر عصبية فإنه لا يمكن القول إن الخلايا العضلية تأثرت بهذه الطريقة نتيجة ارتفاع الحرارة ، فكيف نعرف أن الخلايا العضلية وليس العصبية قد تأثرت. 
      لذلك وقبل البدء في التجربة يجب دراسة المزرعة من حيث التجانس، وذلك باستعمال طرق عديدة منها الكشف عليها باستعمال المجهر ، أو صبغ الخلايا بصبغة خاصة تصبغ بها الخلايا العضلية دون غيرها ثم نعد الخلايا العضلية وغيرها لنعرف نسبتها في المزرعة فإذا كانت النسبة عالية يمكن عندها القول : إن المزرعة متجانسة بقدر كاف لإجراء التجربة ، وإلا فإن النتيجة تكون أقل إقناعا وإن كانت مفيدة.

مزرعة خلوية ، السائل الأحمر هو المستنبت ، والخلايا تلتصق عادة بالسطح
 السفلي للطبق ، بعض أنواع الخلايا لا تلتصق.
     تتم زراعة الخلايا بوضعها في أطباق تشبه أطباق بتري المستعملة في زراعة البكتيريا في معامل الأحياء الدقيقة ، وفي أحيان أخرى توضع في قنان خاصة يكون سطحها مسطحا ليعطي الفرصة للخلايا بالنمو على هذا السطح
      البيئة: تحتاج الخلايا لتنمو إلى بيئة خاصة يتم التحكم فيها بوضع هذه الأطباق أو القنان في حاضنة خاصة لحفظها في جو محكم تكون نسبة الأكسجين فيه وثاني أكسيد الكربون مشابهة للمحيط في الجسم ، وفي درجة حرارة 37 درجة مئوية . ويمكن تعديل أي من هذه المتغيرات حسب حاجة الخلايا المرغوب زراعتها ، أو يمكن التحكم فيها لدراسة أثر هذا التغير على الخلايا ووظيفتها.
     فعادة تكون نسبة ثاني أكسيد الكربون في الحاضنة أعلى من نسبته في الجو، وذلك لأن الجسم معدلات ثاني أكسيد الكربون في الجسم تكون أعلى من معدلاته في الجو، والخلايا تحتاج إلى هذه النسبة لتنمو وتنقسم.
     
حاضنة المزرعة الخلوية
بعض الخلايا تلتصق بالسطح السفلي للطبق أو القنينة بينما تسبح بعضها حرة في السائل حسب نوع الخلايا، ويمكن تتبع نمو الخلايا وانقسامها بواسطة المجهر، فإذا وجدت خلايا سابحة كثيرة في مزرعة لخلايا تلتصق عادة فهذا يعني انها ميتة، وتموت الخلايا لعدة أسباب من بينها نقص المواد الغذائية إذا لم يتم تغيير المستنبت لمدة طويلة ، أو زيادة عدد الخلايا عن الملائم لها لتتعايش مع بعضها، أو بسبب تلوث المزرعة ببكتيريا، أو عدم ملاءمة البيئة للخلايا لتنمو.
معدل تكاثر الخلايا في مزرعة وملئها لسطح الطبق
بالنظر إليها بالمجهر الضوئي
     ولذلك تحتاج هذه الخلايا إلى متابعة يومية بالفحص تحت المجهر ، وقد تحتاج إلى تغيير المستنبت أو نقلها إلى أطباق جديدة عندما يزيد عددها عن المناسب للطبق، وسنناقش في التدوينة القادمة كيف يتم نقل الخلايا إلى أطباق جديدة وتغيير المستنبت لها.

الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

البحوث الحيوية (1)

     البحوث في المجال الطبي أو الحيوي بصورة عامة تختلف عن غيرها من المجالات الهندسية والطبيعية والاختلاف الأكبر هو تعقيد النظام الحيوي الشديد مقارنة بالأنظمة الأخرى. فجسم الإنسان أو الحيوان له شبكة معقدة من الوظائف المتداخلة والمتكاملة التي يساند بعضها البعض الآخر، ويغير بعضها البعض الآخر.
      يبدأ البحث بنظرية تستند إلى وظيفة مثبتة عادة كاقتراح إمكانية استعمال دواء لتخفيض ضغط الدم إذا علمنا أنه يبسط العضلات الملساء، فنتوقع أنه يبسطها في الشرايين وبالتالي يقلل الضغط ، ولكن هذا وحده لا يكفي، لأن الجسم بطبيعته يصحح ما يحدث فيه من خلل ويعوض ما يحدث فيه من تغير ليحافظ على وظيفته، فقد ينتج عن هذا الانبساط في العضلات المحيطة بالأوعية الدموية انخفاضا في الضغط يؤدي إلى رفع عدد ضربات القلب وقوة ضخه، وبالتالي لا يفيد العلاج، بل قد يصبح ضارا.
      بنفس الطريقة يمكن للإنسولين الذي يعمل على خفض مستويات السكر في الدم أن يؤدي إلى زيادة الشهية وزيادة الوزن ، حيث إن الإنسولين هو هرمون حالة الشبع ، وارتفاعه يؤدي إلى إدخال السكر من الدم إلى الخلايا وتخزينه فيها ، فإذا أسرف المريض في جرعة الإنسولين بصورة مزمنة، بمعنى أنه يأخذ هذه الجرعة الكبيرة يوميا، فإن الجسم سيعوض بطلب كميات أكبر من الغذاء فيجوع المرء ويتناول وجبات أكبر، ليشبع هذا الطلب المتزايد من الجسم، وليمنع حدوث انخفاض معدل السكر في الدم. إذا الموضوع ليس بسيطا كما يظن البعض، ولا يخضع للتفكير المنطقي العقلي البسيط، بل هو عملية معقدة بل شديدة التعقيد تحتاج إلى تفكير عميق وتجربة ومشاهدة واستنتاج، زد على ذلك غموض هذا النظام البيولوجي المعقد، وعجز العلم عن فهم أجزاء ووظائف كبيرة منه.
     ولهذا السبب كانت التجربة هي الطريقة الوحيدة لتطور العلم في مجال الطب والعلوم الحيوية، ولا بديل لها على الإطلاق. وستحاول هذه التدوينة تتبع هذه العملية خطوة خطوة لتتضح معالم الفكرة قليلا قليلا.
     قبل تجربة أي دواء أو مركب يعتقد انه دواء محتمل على البشر من الواجب استعماله على الحيوان قبل ذلك، حيث يتشابه التركيب الوظيفي للحيوان والإنسان، والغرض هو اثبات فعالية الدواء واختبار سميته على الكائن الحي.
     حيوانات التجارب يسهل التعامل معها مقارنة بالبشر، وكثير جدا من الاختبارات والتجارب يمكن عملها على الحيوان في حين يستحيل تطبيقها على الإنسان، فمثلا لو أردنا قياس مستوى مادة ما في دماغ الحيوان فيمكننا إنهاء حياته ودراسة دماغه وقياس معدل هذه المادة عليه، ولو أردنا دراسة أثر مادة كيميائية على الكبد في الفأر فإن قتل الحيوان ممكن وقياس مستوى تلك المادة في الكبد ممكن كذلك، وهو ما يستحيل عمله للبشر. قد يعترض شخص ما قائلا: هذا تعذيب للحيوان وغير إنساني، والحقيقة ان ذلك صحيح من زاوية، ومن زاوية أخرى هو شر لا بد منه، ولا يختلف كثيرا عن ذبح الحيوان لأكل لحمه ، بل يمتاز عن ذبح الحيوان لأكل لحمه في المقصد، فالمقصد من اختبار الدواء وتوفير العلاج للبشرية أهم وأسمى .
     في المقابل لا يتفاعل جسم الحيوان بنفس الطريقة التي يتفاعل بها جسم الإنسان مع الدواء موضوع التجربة، ولكن هذه التجربة وإن كانت لا تعكس ما سيحدث في جسم الإنسان تماما فإنها توفر قدرا من الخبرة لا يقدر بثمن، وخطوة لا يمكن الإستغناء عنها لتطور الفكرة والوصول إلى نتيجة، وللحديث بقية
الطيب محسن

الجمعة، 21 نوفمبر، 2014

متى تسوى مقاعد الصف الأمامي في قاعاتنا بباقي الصفوف

      للصف الأمامي في مناسباتنا مقاعد أكبر ليجلس عليها الضيوف المهمون، هؤلاء الضيوف يكونون عادة من المسئولين في الحكومة كعميد البلدية ، أو وزير، أو عضو في المجلس التشريعي. لكن هل هذه الظاهرة مشتركة بين الشعوب أم نختص بها نحن فقط.
      أقيمت قبل سنوات قليلة مناسبة في الجامعة الأسمرية لا أذكرها اليوم حضرها أعضاء من المؤتمر الوطني وبعض المسئولين في المدينة، وكانت طبيعة هذه الجلسة طبيعة عمل، أظن أنها حسب ما أذكر عن خيارات الدستور أو ما شابه. أزيلت من المنصة الطاولة التي يمكن للمشارك أن يستعملها لكتابة ملاحظات أو تدوين أفكار ووضعت بدلا عنها مقاعد كبيرة جدا من النوع الذي قد يستعمله الإنسان للنوم، في صورة تدل على انتفاء الحرفية عن اللقاء تماما.
     أقيم مؤتمر في فندق تيبستي في بنغازي منذ ما يزيد على السبع سنوات، وكان المخطط أن تبدأ الجلسة الافتتاحية عند ساعة ما، لكنها لم تبدأ إلا متأخرة ما يزيد على الثلاث ساعات لأن الحضور كانوا ينتظرون أمين الصحة في شعبية بنغازي حينها، الذي كان شديد الإنشغالات لدرجة جعلته يترك المؤتمر بحاله في حالة انتظار، ثم عندما جاء أجلس على المنصة كأن المؤتمر نسق من أجله.

     أقيم في طرابلس في الفترة الماضية الملتقى العام للعلماء والدعاة والخطباء والوعاظ وطلبة العلم وكان في الجالس في المقدمة السيد نوري أبو سهمين ، والسيد عمر الحاسي وكلاهما ليس عالما ولا داعية ولا خطيبا ولا واعظا ولا ينتمي إلى طلبة العلم. فلماذا كانا في المقدمة. 
     تقام عديد المناسبات هنا وهناك وبدلا من أن يهتم الحضور بالقصد من المناسبة أو الاجتماع يهتمون بالضيوف المهمين، بمكان جلوسهم، ومقاعدهم الوثيرة، وإعطائهم الكلمة للتعبير عن آرائهم والحديث عن بطولاتهم ومواقفهم في الثورة وقبلها وبعدها، وأنهم فعلوا وفعلوا وفعلوا .

صناعة الطغاة:


      ورد في البداية والنهاية في سياق فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب : وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني الربيع بن ثعلب، نا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، عن أبي الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جنبه.
     فقال: ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس.
     فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني ثوبا أو قميصا.
     فأتي بقميص كتان، فقال: ما هذا؟
     قالوا: كتان.
     قال: وما الكتان؟
     فأخبروه فنزع قميصه، فغسل ورقع، وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه.
     فقال له الجلومس: أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم.
     فقال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلا، فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها، فقال: احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتي بجمله فركبه.
     هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحد المبشرين بالجنة، خشي على نفسه من الكبر والخيلاء عندما ركب برذونا في موضع ربما يحتاج إلى أن يفعل ذلك ليظهر عظمة الدولة الإسلامية وهيبتها، ولكنه لم يفعل، فماذا نفعل نحن بهؤلاء القوم ؟؟

     النفس البشرية بطبيعتها تفتن عندما يشعرها الغير بأهميتها ورفعتها وعظمتها، ويبدأ الأمر أولا بقبوله على مضض دون تصديق، ولكن عندما يتكرر مرات عديدة يصيره الوعي حقيقة فيصبح المرء مفتونا بنفسه، ظانا علو قدره وهيبته، حتى يظن أن ليس على الأرض من يماثله ويظاهيه بعلو قدره ورفعة نفسه وقدرته على اتخاذ القرارات واقتراح الأفكار. فينتهي الأمر به إلى طاغية على قدر نفسه وعلى قدر المكان الذي يجلس فيه.
الطيب محسن

الثلاثاء، 18 نوفمبر، 2014

سنان يا سنان




       سنان ، مسلسل الصور المتحركة الذي تابعناه جميعا عندما كنا أطفالا، عدت إليه في الآونة القريبة على منصة اليوتيوب. وجدت أني أتذكر غالب الحلقات واستطعت في أحيان كثيرة توقع ما سيحدث، كانت الحلقات كلها متشابهة وتحمل في طياتها معاني جيدة وتحض على فعل الخير ومقاومة الشر، وتنتهي كل حلقة بانتصار الخير على الشر.
     في ذات الوقت، لاحظت وجود مشاكل عميقة في هذه السلسلة، لعل من أهمها البطل الأوحد، فهذا سنان ينتصر دائما في كل المعارك التي يدخلها، وهو الوحيد الذي يتمتع بالشجاعة والقوة والمثابرة، فلو قارنناه ببنان صديقه المقرب نجد أن سنان ينقذ حياة بنان في كل حلقة، وكأن بنان عبء على سنان ويتحمله سنان غصبا عنه. وعند نهاية الصراع الذي اشترك فيه سنان وبنان ضد الأشرار يصيح الجميع: شكرا يا سنان، لقد أنقذت الموقف وحللت المشكلة.
      زعبور وشرشور وفرفور شيء آخر، فهؤلاء الثلاثة يخضعون دائما للأقوى، يكرهون سنان مع أن سنان أقوى منهم، ولكنهم لا يخضعون له، بل يصرون على مجابهته ومحاربته كلما أتيحت لهم الفرصة، ثم إذا جاء شرير غريب ضد سنان ووالده يتفقون معه، بل يصيرون من أتباعه، ينفذون أوامره ويحاولون الإيقاع بسنان ليتعارك معه.
      باقي أفراد الغابة محايدون على الدوام، بل هم متخاذلون، تنطلي عليهم كل الحيل التي يمارسها زعبور وشرشور وفرفور فيتبعون أقوالهم ويخضعون لأوامرهم ويصدقون الإشاعات التي يذيعونها، ثم في النهاية، عندما يتضح كذب زعبور وشرشور وفرفور يعتذرون من سنان ورحمون وكأن شيئا لم يكن، ويقبل اعتذارهم في كل مرة.
      زعبور وشرشور وفرفور يتعاونون دائما مع الأشرار الذين يحاولون احتلال الغابة والسيطرة عليها، وعند نهاية الحلقة يسامحهم أفراد الغابة، بل ويضحكون من أفعالهم، لأنهم أشرار طيبون، وأهل الغابة يسامحونهم على هذه الأفعال التي يفعلونها دائما وكل مرة، بل وتنتهي الحلقة بإظهارهم بمظهر الظرفاء المساكين، الذين يعيدون السقوط في نفس الخطأ كل مرة.

     في اعتقادي ان القيم التي تزرعها سلسلة سنان عند مراجعتها مراجعة دقيقة قيم شريرة تحض الإنسان على الخضوع والاستسلام، وتقنع الإنسان انه من المقبول والطبيعي أن يخدع، وانه يمكنه أن يرتكب نفس الخطأ عدة مرات وسيغفر المجتمع له حتى وإن كان الخطأ هو خيانة القرويين والتحالف مع الأعداء ضدهم. كذلك تزرع فكرة البطل الوحيد، الذي لا يمكن للغابة أن تستمر إلا في وجوده، والذي يملك من المهارات ما لا يملكه أي فرد آخر في الغابة، فهو لا يكذب ولا يهزم ولا يخدع ويتمتع بكل المزايا التي يمكن لشخص ما أن يتخيلها. وهو الأشهر أو المشهور الوحيد في الغابة حتى ان الغابة تعرف باسم غابة سنان، والنهر الذي يمر بجوار بيت سنان.
       لا ننسى كذلك أن سنان لا يخاف، هذا النموذج الغبي الذي يجازف بأغلى ما عنده (حياته) من أجل شيء لا معنى له، أو من أجل أن يقال إن سنان لا يخاف أبدا، وتفاخره بتجشم المصاعب والمجازفة وتعريض نفسه للموت، ألا ترون معي أنه زرع في أذهاننا أن عدم الخوف أهم من حفظ النفس والصحة وكل شيء في هذه الدنيا ؟؟
      يجب أن تجرى دراسات دقيقة على هذه البرامج التي تعرض على الأطفال في مرحلة التلقي لتتماشى مع قيمنا وأعرافنا وديننا ، ولتتماشى مع ما يحتاجه مجتمعنا في كل مرحلة من مراحل رحلته عبر التاريخ.
الطيب محسن

الاثنين، 17 نوفمبر، 2014

الأمانة



       في جامعة توهوكو بمدينة سنداي اليابانية، وفي المعمل الذي أنتمي إليه لاحظت وجود سلة صغيرة مثبتة بمغناطيس على باب الثلاجة في حجرة الطابق الثالث، وفي حجرة المطبخ بالطابق الثاني، ولاحظت وجود أوراق نقدية في هذه السلة الصغيرة، لم أعرف في البداية ما السبب من وضع المال فيها. ثم عرفت السبب فبطل العجب.
       اتضح أن هناك مطبخا يبيع وجبات الغداء للطلبة والعاملين في الجامعة ويوصلها إلى مكان تواجدهم بمعاملهم ، ولا أدري إن كان يتبع الجامعة أم هو استثمار خاص، ولكن لا شك أن ذلك النشاط يتم بالتنسيق مع الجامعة. يحضر العاملون في هذا المطبخ أو المطعم الوجبات ويأخذون المال من هذه السلة ويتركون الباقي في حال وجود الزبون أو في حال غيابه. ثم يأخذ الزبون باقي نقوده من السلة لاحقا. في أحيان كثيرة يطلب الغداء أكثر من شخص في نفس المكان ويدفع كل منهم ثمن ما طلب، ثم يأخذ باقي نقوده هو فقط.
       هذه السلة موجودة في مكان واضح ظاهر في الحجرة التي يكون بابها مفتوحا دائما ويمكن لأي شخص أخذ هذا المال دون أن يلاحظه أحد ودون أن يثبت عليه شيء. الغريب أن هذه الطريقة متبعة في أجزاء كبيرة من الجامعة وما زالت متبعة منذ فترة طويلة، على الأقل في فترة السنوات الأربعة التي عشتها في اليابان، ووجه الغرابة انه لو حدث وسرق هذا المال لغيروا طريقة الدفع إلى طريقة أكثر أمانا وأكثر مباشرة.
     لماذا لم يُسرَق هذا المال ؟ وما هو الوازع الذي منع الناس من سرقته؟ سؤال يحتاج إلى إجابة لنعرف لماذا نستغرب مثل هذا التصرف.
الطيب محسن